المفكر المصري قنديل :بايدن سيعود من منطقة الشرق الأوسط خالي الوفاض
المفكر المصري قنديل :بايدن سيعود من منطقة الشرق الأوسط خالي الوفاض
مراقبون برس-متابعات
الجمعة 15 يوليو 2022 الساعة 21:46

قال المفكر المصري، عبد الحليم قنديل، إن الرئيس الأمريكي جو بايدن سيعود من منطقة الشرق الأوسط خالي الوفاض بعد زيارته المرتقبة لها.
 
وأضاف قنديل: "لا أحد عاقل يتوقع أن يكون للزيارة العابرة مغزى سياسي، فلقاء الرئيس الأمريكي جو بايدن مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المقرر، لن يكون أكثر من لقاء سياحي لا سياسي، أو ربما نوع بائس من العلاقات العامة، أو "رفع العتب" و"برو العتب" كما يقول المصريون، وقد بدا الرئيس عباس قبل الزيارة نافد الصبر، وأطلق صيحته المعروفة "للصبر حدود"، فقد تعمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلى حشر بايدن نفسه فى زاوية حرجة، واستبقت زيارته بتصعيد ظاهر، وتوسعت فى جرائم قتل الفلسطينيين فى مدن وقرى الضفة الغربية، ومضاعفة بناء المستوطنات، وطرد السكان، وهدم منازل الفلسطينيين فى القدس، والدفع بخطط التهويد الكامل للمدينة المقدسة".
 
وتابع: "قد تجد من يحدثك لا يزال عن اختلاف ما فى السياسة الأمريكية الفلسطينية مع بايدن، مع أن الاختلاف صورى تماما، فلم يقدم بايدن على شيء مختلف عن سياسة سلفه دونالد ترامب، صحيح أن بايدن لم يعد يتحدث عن صفقة ترامب، أو ما كان يعرف إعلاميا باسم "صفقة القرن"، لكنه لم يغير شيئا مما تركه السلف، فقد كان ترامب اعترف بضم إسرائيل للقدس كلها شرقية وغربية، واعترف بها كعاصمة أبدية موحدة لكيان الاحتلال، وهو ذاته ما واصله بايدن، وإن كان وعد بتغيير ما فى التفاصيل والرتوش، من نوع إعادة الحياة لقنصلية أمريكية مع الفلسطينيين فى القدس، وكان ترامب ألغى المسمى "القنصلى" فى جملة هداياه لكيان الاحتلال، الذى اعترض على عودة القنصلية، حتى وإن كانت تابعة ملحقة مبنى وإدارة بسفارة أمريكا لدى إسرائيل، وطلب إبقاء المسمى التهميشى "وحدة الشئون الفلسطينية" الذى تقرر زمن ترامب، ووجد بايدن نفسه فى ورطة، فأحلام إسرائيل أوامر عنده، وهو "الصهيوني" الملتزم أيديولوجيا باعترافه القديم، وإن حاولت إدارته التلاعب لفظيا لتفادي المزيد من إحراج رئيسها، وقررت الخارجية الأمريكية مؤخرا إعادة تغيير اسم الوحدة الفلسطينية، وأطلقت عليها تسمية "مكتب الولايات المتحدة للشئون الفلسطينية"، فى الوقت الذي لم تتجاوب فيه مع رغبة فلسطينية رسمية بإقامة نوع من التبادل الدبلوماسي الرمزي، ولو حتى بفتح "قنصلية أمريكية" فى رام الله لا فى القدس، فيما اكتفى بايدن بأن يطلب من صديقته إسرائيل، أن تسمح له بزيارة مستشفى فلسطيني في القدس المحتلة، ومن دون مرافقة رسمية إسرائيلية".
 
وأردف: "وكأن بايدن يريدها أن تبدو كلمسة تعاطف خفية مع الفلسطينيين، قد يزيدها بإلافراج عن تسهيلات مالية رمزية أمريكية للسلطة الفلسطينية، لكن إدارة بايدن لا تبدي أدنى حماسة لمناقشة سياسية عن المصير الفلسطيني، برغم إعلانها كثيرا عن العودة لتبنى شعار "حل الدولتين"، وربما كان ذلك الزعم الفولكلوري، هو ما دفع الرئيس الفلسطيني فى اتصال تمهيدى للزيارة مع أنتوني بلينكن، وزير خارجية البيت الأبيض، وهو الآخر صهيوني متعصب، ويهودى كما هو معروف، وأعرب له الرئيس عباس عن أمله فى رعاية بايدن لمشاغل فلسطينية عاجلة، بينها قصة القنصلية، ورفع اسم منظمة التحرير الفلسطينية من قوائم الإرهاب الأمريكية، والضغط على إسرائيل لوقف قتل الفلسطينيين وطردهم من أحياء القدس، ولم يعقب بلينكن على مطالب عباس، سوى بإعادة معزوفة "حل الدولتين"، التي لا يعد الوقت الحالي مناسبا عند الأمريكيين للتفاوض بشأنها، وكأن القصة كلها كلام مرسل مع وقف التنفيذ الفعلي، وهو ما دأبت عليه السياسة الأمريكية قبل ترامب وبعده، ربما منذ رعاية الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون لمفاوضات "كامب ديفيد" الثانية بين الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق إيهود باراك، والتي انفجرت بعد فشلها انتفاضة فلسطين الحديثة الثانية، ثم اغتيال عرفات نفسه بالسم الإسرائيلي فى مقر قيادته "المقاطعة" برام الله، ثم استهلاك الوقت بالسنوات فى مفاوضات ماراثونية فلسطينية إسرائيلية مباشرة من دون رعاية أمريكية، حتى توقف النبض فيها تماما عام 2014، وإطاحة قادة الكيان بموائد التفاوض جميعا، وخروجهم الفاجر المتزايد حتى عن معادلات "أوسلو" الهزيلة، ورفضهم مجرد ذكر مبدأ إقامة دولة فلسطينية، حتى لو كانت منزوعة السلاح تماما، وحصر التعامل مع سلطة الحكم الذاتى الفلسطينية فى إطار وظيفي، يخدم بالأساس أمن الاحتلال وتوحشه الاستيطاني وتقطيع وتحطيم أي أساس جغرافي متصل لكيان فلسطيني منفصل فى الضفة الغربية، المعروفة عندهم بالاسم التوارتى "يهودا والسامرة"، مع الحظر الكلى لأى نقاش حول القدس المحتلة، التى صارت عندهم إسرائيلية بتمامها، وهو ما لقي تأييدا نهائيا كاملا من الإدارات الأمريكية الأخيرة، يستوى فيه بايدن مع ترامب، الذى قدم خطة تصفية شاملة للقضية، أحبطها كفاح الشعب الفلسطيني المتصاعد بإطراد فى السنتين الأخيرتين بالذات.
 
واستطرد قنديل: "مع كل هذه التطورات، لم يعد يشغل إدارة بايدن من شيء فى الموضوع، سوى أن تدير حركة الصراع اليومية، لا أن تتقدم وتضغط من أجل أى حل تفاوضي، لا تريده الفئات الإسرائيلية المتحكمة، وجلها من أحزاب اليمين الصهيونى الديني، التى تتصارع فيما بينها على رئاسة الوزارات، وتكرار جولات الانتخابات، ومن دون الوصول إلى صيغة حكم مستقرة، وهو ما يتواصل مع حل الكنيست أخيرا للمرة الخامسة فى أقل من أربع سنوات، والذهاب لإجراء انتخابات جديدة فى نوفمبر المقبل، وترؤس يائير لابيد لحكومة تصريف أعمال، وهو ما أخذه بايدن فى اعتباره وترتيباته للزيارة الوشيكة، التي قرر أن يلتقي فيها لابيد وبنيامين نتنياهو، زعيم المعارضة المتربص، كل على حدة، فبايدن لا يريد أن يتدخل فى صراعات الإسرائيليين الداخلية، ويرغب فقط فى تجديد التعهد بضمان أمن إسرائيل وازدهارها واندماجها المتزايد فى المنطقة، بنص تعبيرات بيان صدرعن البيت الأبيض".
 
ومضى قائلا: "بالجملة، فلا يصح لأحد أن يعول كثيرا ولا قليلا على زيارة بايدن، فهى لن تقدم جديدا ولا قديما للفلسطينيين، برغم كل الكلام المزاد المنقح عن تأثير الجناح اليسارى فى حزب بايدن الديمقراطى، وتعاطف عدد من رموز اليسار مع المعاناة الفلسطينية، وهو تعاطف مفيد فى تغير نسبى لمزاج الرأى العام الأمريكى، لكنه لا يؤثر جديا على سياسة بايدن، الذى يواجه اخفاقات داخلية وخارجية دولية، مصاحبة لحرب أوكرانيا، ويخشى الهزيمة المرجحة لحزبه فى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أوائل نوفمبر المقبل، ويريد كسب تأييد إسرائيل واللوبي الصهيوني فى أمريكا، وعلى أمل تحسين موقفه السياسي، واسترداد قسط من شعبيته المتدهورة، بسبب التضخم وغلاء الأسعار غير المسبوق من أربعين سنة، وبسبب ركود الاقتصاد وانكماش النمو، وبسبب أحوال التيه و"خرف" الشيخوخة الذى يطارده ، وتنمر ترامب والميديا على سقطاته يوميا ، وتحت كل هذا الركام السياسي والشخصي، فلا يبدو أن الشأن الفلسطيني من هموم الرئيس الأمريكى العجوز، إلا من باب خدمة إسرائيل، بإبراء ذمتها من القتل المتعمد للصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة ذات الجنسية الأمريكية، على طريقة ما جرى فى قصة المقذوف (الرصاصة) القاتل، الذى رفضت السلطة الفلسطينية تسليمه لإسرائيل، ثم استجابت أخيرا لطلب أمريكي بتسليم المقذوف، واتاحته لفحص من خبراء إسرائيليين فى مبنى السفارة الأمريكية، وإصدار تقرير أمريكي ركيك عن الفحص والتحقيق فى حادث الاغتيال الدامي، يقول أن واشنطن لا تسعى لإدانة أحد، وكأن شيرين هى التى قتلت نفسها، أوكأن قاتلها القناص الإسرائيلى فوق أى مساءلة أو محاكمة أو إدانة بمقتضى التقرير الأمريكى، الذي وصفه اتحاد الصحفيين العرب بغير المهني، والمنحاز أمنيا وسياسيا لإجرام كيان الاحتلال، وهو الموقف ذاته الذى اعتادته واشنطن بتنزيه كيان الاحتلال وتحصين جرائمه ومجازره، وجعله فوق كل قانون دولى، وبدفع أطراف عربية للضغط على الفلسطينيين لتهدئتهم فى الميدان، وإطفاء جذوة الكفاح الفلسطيني الشعبي، ومنع السلطة الفلسطينية من إتخاذ إجراءات تصعيد، وتنفيذ قرارات المؤسسات الفلسطينية بسحب الاعتراف السابق بإسرائيل، ووقف "التنسيق الأمنى" وغيره من مخازى اتفاقيات "أوسلو" وأخواتها، وإلى غيرها من اتجاهات انطوت عليها صرخة الرئيس عباس "للصبر حدود"، وهو أكثر ما يخشاه كيان الاحتلال، وأشد ما يحتاجه الكفاح الفلسطيني فى هذه اللحظة، وأفضل وسيلة للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة، وهذا كله مما لا تريده إسرائيل ولا أمريكا بالتبعية، ولا تريده أيضا أطراف التطبيع العربي، التى يجهد بايدن لجرفها بعيدا عن مجرى الانشغال بالهم الفلسطيني، وتعزيز تحالفها العملي السياسي والعسكري مع الكيان الإسرائيلي، وضم دول عربية جديدة إلى اتفاقات "إبراهيمية" مضافة، تجعل إسرائيل قيادة ميدانية للعرب المطبعين، بدعوى أولوية الخطر الإيراني، ودحرجة القضية الفلسطينية إلى مخازن الاستيداع التاريخي".