كيف وحّدت “مجزرة زاخو” الشعب والبرلمان والحشد الشعبي العِراقي للثّأر من العُدوان التركي؟

عقد البرلمان العِراقي جلسةً استثنائيّةً لمُناقشة العُدوان التركي على مُنتجعّ سياحيّ في مِنطقة زاخو الكرديّة شِمال البِلاد أدّى إلى مقتل تسعة سيّاح وإصابة 27 آخرين، حيث شنّ العديد من النوّاب المُتحدّثين جام غضبهم على الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وحُكومته، وطالبوا “بالثّأر لدِماء الشّهداء والجرحى وطرد جميع القواعد والنّقاط العسكريّة التركيّة غير الشرعيّة في شِمال البِلاد”، وطالبوا الحُكومة بالذّهاب إلى مجلس الأمن للاحتِجاج.
الأخطر من هذا الاجتِماع الطّارئ للبرلمان إرسال طائرتين مُسيرّتين “مجهولتين” لقصف قواعد عسكريّة تركيّة، وتهديد فصائل الحشد الشعبي العِراقيّة التي تملك ترسانةً هائلةً من الصّواريخ والمُسيرّات وعشَرات الآلاف من المُقاتلين بالرّد على هذا العُدوان التركي، وتوعّدها بإزالة القواعد التركيّة على الأراضي العِراقيّة بالقُوّة.
القِيادة التركيّة “المُرتبكة” التي فُوجئت بردّ الفِعل العِراقي القويّ، شعبيًّا ورسميًّا حاولت التنصّل من هذا العُدوان، واتّهمت حزب العمّال الكردستاني المُصنّف إرهابيًّا بالوقوف خلفه، ولكنّ هذه الاتّهامات لم تَلقَ أيّ صدى في ظِل تصاعد العداء لتركيا في الأوساط العِراقيّة الشعبيّة والرسميّة الغاضبة.
هُناك نظريّتان تتردّدان بقُوّةٍ هذه الأيّام بشأن العُدوان التركي على مُنتجع زاخو:
الأولى تقول إنّ تزامن هذا العُدوان مع قمّة طِهران الثلاثيّة، ومُطالبة تركيا بسحب جميع القوّات الأمريكيّة من شرق سورية ربّما دفع أمريكا إلى تحريض بعض الجماعات التّابعة لها على أرض العِراق للإقدام على هذه المجزرة في زاخو لخلط الأوراق، وتوجيه رسالة إنذار لأنقرة، تُحذّر من خُطورة أيّ تقارب تركي مع إيران وسورية.
الثانية تُؤكّد أن تركيا لا تُعير أيّ اهتمام للسّيادة أو الحُكومة والشّعب العِراقي، وباتت تُكرّس أطماعها الإقليميّة في العِراق وسورية، وتستخدم القُوّة لفرض سيطرتها بالقُوّة، وربّما أقدمت على هذه المجزرة التي راح ضحيّتها مصيّفون عرب من وسط وجنوب العِراق في مُحاولةٍ لترهيب أصوات عِراقيّة تُطالب بإزالة القواعد التركيّة من الأراضي العِراقيّة أُسوةً بنظيرتها الأمريكيّة.
مُعظم المُراقبين، وأقطاب الحُكومة العِراقيّة يُرَجِّحون الاحتِمال الثاني، وكان لافتًا أنّ قِيادة الحشد الشعبي العِراقيّة المدعومة إيرانيًّا كانت من أبرز المُحَرِّضين على اقتلاع الوجود العسكري التركي غير الشّرعي على الأراضي العِراقيّة وهي قِيادة مسنودة بالطّائرات والمُسيّرات والمدفعيّة وأكثر من عشرة آلاف جُندي.
الأمْر المُؤكّد أن هذه السّياسات العُدوانيّة للحُكومة التركيّة ضدّ العرب، خاصَّةً في العِراق وسورية معًا، بدأت تُحَشِّد الرأي العام العربي في البلدين ضدّ المصالح التركيّة، وحُكومة الرئيس رجب طيّب أردوغان تحديدًا، ونواياها لتفتيت البلدين، وهزّ استِقرارها الدّاخلي، وتعطيشها ببناء السُّدود وتقليص حصّتيهما من مِياه نهريّ الفُرات ودِجلة.
أن تُحافظ تركيا على وحدتها الترابيّة، ومُحاربة الجماعات التي تُريد تقويض أمنها واستِقرارها أمْرٌ مشروع ولكن ليس باستِخدام الأساليب الإرهابيّة نفسها ضدّ سورية والعِراق، من خِلال دعم بعض الجماعات المُسلّحة التي لا تَقِلُّ خُطورةً عن حزب العمّال الكردستاني الانفصاليّة.
القوّات التركيّة تحتلّ مساحات شاسعة من الأراضي السوريّة والعِراقيّة في شِمال البلدين تحت ذريعة حماية الأمن والحُدود التركيّة، الأمر الذي يُهَدِّد أمنهما واستِقرارهما، ودُونَ أن يُحَقِّق الأمن والاستِقرار للأراضي التركيّة في الوقت نفسه، وهذا خطأ استراتيجيّ كبير ترتكبه الحُكومة التركيّة الحاليّة.
الرّد العِراقي “غير الرّسمي” لن يقتصر على إرسال “المُسيّرات” لضرب القواعد التركيّة، وقد يتطوّر إلى قصفٍ مِدفعيّ وصاروخيّ، ومُقاطعة اقتصاديّة شاملة بدأت إرهاصاتها بالمُطالبة الشعبيّة العِراقيّة بحملة مُقاطعة للبضائع التركيّة على غِرار نظيراتها السعوديّة والخليجيّة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على الاقتِصاد التركي “المُضَعضع” و”المُتَأزِّم” حيث تتراجع إلى حواليّ 80 بالمِئة، والدّين العام إلى أكثر من نِصف ترليون دولار.
حِماية الحُدود، وتحقيق الأمن لتركيا لا يتحقّق من خِلال القواعد العسكريّة واحتِلال الأراضي في سورية والعِراق، ودعم الجماعات المُسلّحة، وإنّما باحتِرام سيادة البلدين، والعودة إلى الاتّفاقات الأمنيّة المُشتركة، والالتِزام ببنودها كاملةً، وخاصَّةً اتفاقيّة “أضنة” في سورية، والمُعاهدة الأمنيّة العِراقيّة التركيّة المُوازية.
من حقّ الشّعبين العِراقي والسّوري أن يُطالبا بوضعِ حَدٍّ “للعُدوانات” التركيّة التي تستهدف بلديهما، وكونها من اتّجاهٍ واحد، أيّ من تركيا ضدّ البلدين.
تركيا ازدهرت واستقرّت أمنيًّا واقتصاديًّا بتبنّيها سياسة “صِفر مشاكل” مع جيرانها، والآن بدأت تخسر هذا الأمن والاستِقرار بالتخلّي عن هذه السّياسة، وتبنّي سياسةً عُدوانيّة، ومجرزة زاخو، والتّحشيد لهُجومٍ مُوسّع على شِمال سورية لإقامة “مِنطقة آمنة” للجماعات المُسلّحة بذريعة إعادة توطين اللّاجئين السوريين وطردهم من الأراضي التركيّة، هو أبرز الأمثلة على ما نقول.
اليوم طائِرتان مُسيّرتان عِراقيّتان تُهاجمان القواعد غير الشرعيّة التركيّة، وغدًا ربّما صواريخ دقيقة على غِرار تلك التي قصفت قواعد “الموساد” في أربيل، وبعد غَدٍ تُوَحُّد الشّعبين السّوري والعِراقي وخوضهما حرب استنزافٍ ضدّ تركيا.. فهل هذا ما تُريده الحُكومة التركيّة؟
“رأي اليوم”