كيف أدى الهجوم الصاروخي التركي الدموي على مصيف زاخو شمال العراق إلى نتائج عكسية؟

بعد يومين من قمّة طِهران الثلاثيّة التي شارك فيها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى جانب الرّئيسين الروسي (فلاديمير بوتين) والإيراني المُضيف (السيّد إبراهيم رئيسي) شنّت صواريخ تركيّة هُجومًا مُباشرًا قصفت من خِلاله مُنتجعًا سياحيًّا في إقليم زاخو في مُحافظة دهوك الكرديّة شِمال العِراق، وهُجوم آخَر “غير مُباشر” من قِبَل جماعات مسلّحة مدعومة تُركيًّا بطائرتين مُسيّرتين على قاعدة حميميم الروسيّة الجويّة شِمال سورية.
الدّفاعات الجويّة الروسيّة نجحت في إسقاط المُسيّرتين، لكن نظيرتها العِراقيّة لم تتصدّ في الأساس للصّواريخ التركيّة التي أدّت إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة 29 شخصًا مُعظمهم من المصيّفين العِراقيين العرب من وسط وجنوب العِراق هربوا إلى هذا المصيف شِمال العِراق هربًا من الصّيف القائظ والحرارة المُرتفعة، وكان من بين الضّحايا نساءٌ وأطفال.
كالعادة نفت الحُكومة التركيّة مسؤوليّتها عن الهُجوم، واتّهمت مُقاتلي حزب العمّال الكردستاني الانفِصالي بالمسؤوليّة عنه، مثلما نأت بنفسها عن الهُجوم على القاعدة الروسيّة، ولكنّ هذا النّفي لم يَلْقَ أيّ مِصداقيّة لدى الحُكومة والشّعب العِراقي اللذين اتّهما تركيا دُون تردّد بالعُدوان على مصيف زاخو، وانتهاك السّيادة العِراقيّة، وطالب السيّد مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء تركيا بالاعتِذار وتقديم تعويضات لأُسَرِ الضّحايا، واستدعى القائم بالأعمال العِراقي في أنقرة إلى بغداد للتّشاور احتِجاجًا.
البرلمان العِراقي سيَعقِد جلسةً طارئة بعد غدٍ السبت لبحث هذا العُدوان، بينما طالب مُتظاهرون عِراقيّون بإغلاق السّفارة التركيّة في بغداد، وناشَدوا الجيش العِراقي بالثّأر للشّهداء، وحرقوا العلم التركي ورفعوا صُورًا للرئيس أردوغان مُذيّلة بوَصفِ “إرهابي”.
هذا العُدوان التّركي على الأراضي العِراقيّة يأتي في وقتٍ يتفاقم فيه التوتّر في العُلاقات التركيّة العِراقيّة على أرضيّة غضبٍ شعبيّ ورسميّ لوجود قواعد عسكريّة تركيّة على أرضِ العِراق دُونَ أيّ مُوافقة رسميّة، وانخِفاض كبير في منسوب نهريّ دجلة والفرات نتيجة سُدود غالبيّتها تُركيّة ممّا أدّى إلى حُدوثِ أزمةِ زراعة وريّ تضرّر منها مِئات الآلاف من المُزارعين العِراقيين على ضفّتيّ النّهرين في العِراق وسورية.
هذه الهجمات العسكريّة التركيّة ستُعَزِّز وحدة الشّعبين العِراقي والسّوري ضدّ الرئيس رجب طيّب أردوغان وحُكومته، وتقوض بعض النّتائج الإيجابيّة للقمّة الثلاثيّة الأخيرة في طِهران، وأبرزها مُحاولة تخفيف التوتّر الحُدودي السوري التركي، وتوحيد جُهود الدّول الثّلاث في مُواجهة الإرهاب، وإيجاد تسوية للوضع في إدلب بِما يقود في نهاية المطاف إلى التوصّل إلى اتّفاق يُحَقِّق الأمن للبلدين، ويسمح بعودة خمسة ملايين لاجِئ سوري يُقيمون الآن على الأراضي التركيّة، يُواجهون مُضايقات عُنصريّة وباتوا يُشَكِّلون أزمة حقيقيّة تستغلّها المُعارضة التركيّة ضدّ حزب العدالة والتنمية الحاكِم.
الرئيس أردوغان كان يلعب دائمًا على التّناقضات السوريّة العِراقيّة، والأُخرى الكرديّة العربيّة، ولكنّه بِمثل هذا الهُجوم يحشد جميع هذه الأطراف ضدّ بلاده، وبِما قد يَخدِم تصعيد الخطر الأمني الذي يُشكّله الانفصاليّون الأكراد سِياسيًّا وعَسكريًّا واقتِصاديًّا.
الهُجوم التركي على مُنتجع زاخو شِمال العِراق وما ترتّب عليه من سُقوط ضحايا مدنيين، عملٌ مُدان ويُشَكِّل انتِهاكًا للسّيادة العِراقيّة، وستترتّب عليه نتائج سلبيّة خطيرة على الأمن التركي في هذا الظّرف الحَرِجْ الذي تَمُرّ به المِنطقة، وتركيا على وجع الخُصوص، في ظِل تفاقم الحرب الأوكرانيّة، وانعِكاساتها السياسيّة، والاقتصاديّة والأمنيّة.
لا نعرف ما هي حِسابات الرئيس أردوغان، ولكن ما نعرفه أن هذه السّياسيات التي يتبعها، وتستعدي مُعظم، إن لم يكن جميع جيرانه، لا يُمكن أن تكون صائبة على المدّيين القصير والبعيد، لأنّها لا تستعدي حُكومات، وإنّما تستعدي شُعوبًا أيضًا.
“رأي اليوم”