لماذا أحسن الرئيس بوتين صُنعًا برفضه الفوريّ لعرض الوِساطة الإسرائيلي في الحرب الأوكرانيّة؟

أحسن الرئيس فلاديمير بوتين صُنعًا عندما رفض اليوم الأحد عرضًا تقدّم به نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوِساطة في الأزمة الأوكرانيّة، لأنّ هذا العرض يعكس جُرعةً كبيرةً من الخِداع والنّفاق السّياسي، ومُحاولة مُتصنّعة لإلباس “إسرائيل” “ثوب حِياد” في هذا الصّراع المُرشّح للتّصاعد في الأيّام والاسابيع المُقبلة.
المنطق المُتعارف عليه مُنذ فجر التّاريخ يقول إن الوسيط في النّزاعات يجب أن يكون مُحايدًا، ويملك إرثًا مُشَرِّفًا في تسوية النّزاعات، وعدم الانحِياز إلى طرفٍ فيها دُونَ الآخَر، وجميع هذه الشّروط لا تتوفّر في دولة الاحتِلال الإسرائيلي المُتّهمة دوليًّا بارتِكاب “جرائم حرب” وتغتصب أراضي ومُقدّسات عربيّة، وتُمارس أبشع أنواع التّمييز العُنصري.
بينيت الذي بادر بالاتّصال بالرئيس الروسي، أقدم على عرض الوِساطة هذا بطلبٍ من فولوديمير زيلينسكي رئيس أوكرانيا الذي يُقال إنه يحمل الجنسيّة الإسرائيليّة، وهذا الطّلب كافٍ لوحده بإجهاض أيّ وِساطة إسرائيليّة وقبل أن تبدأ.
الرئيس بوتين يعتقد أنه يُمكن أن ينسى تصريحات “الوسيط” بينيت قبل يومين التي أكّد فيها أن حُكومته ستقف في الخندق الأمريكي الحليف التّقليدي للدّولة العبريّة عندما يتعلّق الأمر بالأزمة الأوكرانيّة، الأمر الذي دفع وزارة الخارجيّة الروسيّة إلى التقدّم باحتِجاجٍ رسميّ للحُكومة الإسرائيليّة.
روسيا الرئيس بوتين قدّمت خدمات كبيرة جدًّا للحُكومة الإسرائيليّة في الأعوام العشرة الماضية، وخاصَّةً في المِلف السوري، عندما غضّت النّظر عن أكثر من 300 غارة جويّة صاروخيّة إسرائيليّة في العُمُق السوري، وهي الغارات التي عرضت الرئيس الروسي لانتقاداتٍ قاسية من الكثير من وسائل الإعلام العربيّة بسبب “صمت المُوافِق” عليها، والأكثر من ذلك عدم السّماح لشريكه الاستراتيجي السوري باستِخدام منظومات صواريخ “إس 300” الدفاعيّة الجويّة بالتصدّي لهذه الغارات، وهذا حقّ دفاعٍ مشروع عن النّفس كفَلته كُلّ القوانين الإلهيّة والوضعيّة.
وقوف الحُكومة الإسرائيليّة في الخندق الأمريكي في الحرب الأوكرانيّة يُشَكِّل نُكرانًا للجميل الروسي في أبشع صُوره، وما هو أبشع من ذلك التجرّؤ على التقدّم بعَرضٍ للوِساطة من أحد الأطراف الرئيسيّة في هذه الحرب، أيّ الرئيس الأوكراني، إنّها قمّة الوقاحة والغطرسة والاستِهتار بمشاعر الطّرف الآخَر.
“رأي اليوم”