هل هرب الرئيس الأوكراني من عاصمته كييف على غِرار هادي اليمن؟

اختَفى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن الأنظار في العاصمة كييف، وسط تقارير إخباريّة بمُغادرته إلى مدينة لفيف قُرب الحُدود البولنديّة سعيًا للسّلامة، ومُطالبًا جيشه في الوقت نفسه بالصّمود، وعدم الاستِسلام، وإذا صحّت هذه التقارير فإنّها تُذكّرنا بهُروب الرئيس الأفغاني أشرف غني من كابول مُحَمَّلًا بحقائب منفوخة بملايين الدّولارات ومُتَوجِّهًا إلى منفى باذخ وآمِن في أبو ظبي، تاركًا الحُكم لطالبان، وأنصاره لمُواجهة مصائرهم وحدهم، كما تُذكّرنا بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي استقرّ في السعوديّة.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربّما يكون الرّابح الأكبر إذا تأكّد هذا الهُروب لأن العُنوان الأبرز لتوغّل قوّاته في شرق أوكرانيا، والزّحف باتّجاه العاصمة كييف هو تغيير النظام الأوكراني والإطاحة بزيلينسكي، وتنصيب رئيس مُوالٍ له يُفضّل أن يكون جِنرالًا في الجيش الأوكراني.
النّهاية كانت وما زالت مكتوبة على الحائط، فعندما انفجر غضب الرئيس الأوكراني بشن هُجوم على الزّعماء الغربيين الذين خذلوه وعلى رأسهم الأمريكي جو بايدن، واتّهمهم بالتخلّي عنه وبلاده، وعدم التصدّي للقوّات الروسيّة، وأوقف مُتابعته لحِساباتهم على السوشيال ميديا، بات واضحًا أن دوره اقترب من نقطة النّهاية، وأنه أدرك تعرّضه لخديعةٍ كُبرى، وتمّ التّعاطي معه “كدُمية” في إطار “لعبة أُمم” أكبر منه ومن بلاده التي كانت وديعة آمنة مُستقرّة.
***
زيلينسكي قاد بلاده إلى هاويةٍ سحيقة، ومُستقبل دموي عُنوانه عدم الاستِقرار وغِياب كامِل للأمن ربّما لسنوات، فلا أوكرانيا أصبحت عُضوًا في الاتّحاد الأوروبي حيث المن والسّلوى، ولا أصبحت عُضوًا في حِلف “النّاتو”، ووجدت نفسها وحيدةً مُقسّمة تجلس على قمّة برميل بارود، ومُواطنيها يُهاجرون إلى دول الجِوار، وفي مُواجهة بلدوزر نووي اسمه بوتين.
لا أحد يعرف ما يدور في عقل الرئيس بوتين، أو يستطيع أن يتنبّأ بخطواته التّالية، لكنّ المُؤكّد أن الاستِيلاء العسكري الروسي على كييف سيكون محطّة قوّاته القادمة، فمِن الواضِح أنّه لا يعبأ بالتّهديدات الأمريكيّة بالعُقوبات الاقتصاديّة، لأنّ هذه العُقوبات التي فشلت على مدى أربعين عامًا في تركيع إيران، وتحوّلت إلى عبء على الإدارة الأمريكيّة مثلما يتّضح من خِلال مُفاوضات فيينا النوويّة، لا يُمكن أن تُحَقِّق أهدافها في تركيع بوتين، الذي سيَرُد حتمًا عليها بطُرقٍ أقوى.
هُناك خِيار آخَر ربّما تلجأ إليه الولايات المتحدة إلى جانب الحِصار والعُقوبات الاقتصاديّة، بإطلاق مُقاومة شعبيّة مُسلّحة لاستِنزاف بوتين وقوّاته في أوكرانيا على غِرار ما حدث في أفغانستان أثناء الاحتِلال السّوفييتي في الثّمانينات من القرن الماضي، ولكن خِيار غير مضمون وغير مأمون العواقب، وما نجح في أفغانستان “الإسلاميّة” حيث يُمكن تجنيد “المُجاهدين” غير مضمون النّجاح في أوكرانيا المسيحيّة، والأهم من ذلك أن “روسيا بوتين” تملك خبرة كبيرة في التّعاطي مع الميليشيّات المُسلّحة، استمدّتها من الحرب الحاليّة ضدّ “المُسلّحين الإسلاميين” في سورية، وقبلها ضدّ نُظرائهم في الشيشان، وجورجيا وأخيرًا أوزباكستان، فمن دمّر غروزني وساواها بالأرض يُمكن أن يُكَرِّر السّيناريو نفسه في كييف.
نعترف أن الحِصار الاقتصادي الغربي نجح في إنهاك وتفكيك الاتّحاد السوفييتي، وانهِياره عام 1991، ولكن احتاج هذا الحِصار أكثر من ثمانين عامًا حتى يُعطي ثماره، فهل سيمتدّ عُمر جو بايدن إلى ثمانين عامًا أُخرى حتى يحتفل بانتِصاره على خصمه بوتين؟
روسيا هزمت نابليون، ومن بعده هتلر، ولا نعتقد أنها ستستسلم لأمريكا في ظِل وجود زعيم مِثل بوتين لن يتردّد في خوض حرب نوويّة، ويجلس على قمّة ترسانة عسكريّة تضم 7000 رأس نووي وعشَرات الآلاف من الصّواريخ الأسرع من الصّوت، وآلاف الطّائرات الحربيّة التي تتفوّق على نظيرتها الأمريكيّة بمراحل، علاوةً على جيش من الغوّاصات النوويّة.
الرئيس بوتين خرج حتى الآن الرّابح الأكبر من الجولة الأُولى من المُواجهة مع أمريكا، فبلاده التي تُعتبر أكبر مُصدّر للغاز والنفط في العالم تضخّمت عوائدها في الأيّام القليلة الماضية، فسِعر برميل النفط ارتفع إلى 107 دولارات، والغاز بنسبة 35 بالمئة، وقد تتضاعف الأسعار عدّة مرّات إذا توسّعت دائرة التوتّر، وهي تتوسّع حتمًا.
الاقتصاد الأوروبي سيكون الضحيّة الأكبر للعُقوبات الأمريكيّة، ليس بسبب ارتفاع أسعار الوقود فقط، وإنّما لانعِدام حالة الأمن والاستِقرار، واتّساع شرخ الانقِسامات داخِلها، وربّما بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكيّة.
***
جوهرة تاج العُقوبات الأمريكيّة ستكون طرد روسيا من نظام “سويفت” المالي، وهذه الخطوة جرى الاستِعداد لها بتأسيس نظام مالي روسي صيني بديل لا يعتمد على الدّولار، بل يعمل على مُحاربته وتضييق الخِناق عليه، واستِبداله بالعُملات المحليّة، مِثل اليوان الذهبي الصيني، والرّوبل الروسي، وأيّ عُملات محليّة أُخرى للدّول التي تُريد الانضِمام إلى هذا النظام المالي الجديد والبَديل، وهُناك توقّعات بإنهاء هيمنة الدّولار في غُضون خمس سنوات.
حملة السويس عام 1956 شكّلت بداية النّهاية لسُقوط وتفكيك الإمبراطوريّة البريطانيّة والفرنسيّة، وأزمة أوكرانيا وتبعاتها ربّما سيكون لها التّأثير والعواقب نفسها على الولايات المتحدة، فالخصم هذه المرّة هو صاحب القرار دون مُنازع، ويُريد إعادة إحياء الإمبراطوريّة السوفيتيّة المغدورة، والثّأر من الذين أذلّوها ومزّقوها، ويملك مخزونًا هائلًا من الكرامة وعزّة النفس، ولم يَخُض معركة إلا وانتَصر فيها، والأخطر من ذلك أنه وحسب من يعرفونه عن قُرب، لن يتردّد في الضّغط على الزّر النووي إذا اضطرّ إلى ذلك.. والأيّام بيننا.