الصّراع بين الصّقور والإصلاحيين في إيران

عادَ الصّراع بين المُحافظين والإصلاحيين للخُروج إلى السّطح مُجدَّدًا وبشَراسةٍ في إيران على أرضيّة اغتِيال العالم النّووي محسن فخري زادة، وكيفيّة الرّد على هذه الجريمة، وانعكس هذا الصّراع بشَكلٍ جليٍّ اليوم عندما رفضت حُكومة الرئيس حسن روحاني قرارًا اتّخذه مجلس الشورى الذي يُسيطِر عليه المُحافظون، يُطالب بعدم الالتِزام ببُنود الاتّفاق النّووي، ورفع مُعدّلات التّخصيب إلى 20 بالمِئة طالما لم تُرفَع العُقوبات الاقتصاديّة في غُضونِ شهر، وعدم السّماح للمُفتّشين الدّوليين بتفقّد المُنشآت النوويّة الإيرانيّة.
هُناك قراءتان لهذا الصّراع الذي ظهر إلى العلن، ومُمكن أن يتطوّر في الأسابيع القليلة القادمة إلى صِداماتٍ سياسيّة على الأقل:
الأولى: تُؤكّد أنّ هُناك تبادل للأدوار وأنّ الهدف من ظُهور هذا الخِلاف إلى العلن هو مُمارسة ضُغوط على الإدارة الأمريكيّة القادمة برئاسة بايدن للتّسريع بالعودة إلى الاتّفاق النووي، لأنّ قرار مجلس الشورى هذا لن يُصبِح نافِذًا الا بعد المُصادقة عليه من عدّة هيئات دُستوريّة تُشكّل الدّولة العميقة، والسيّد علي خامنئي المُرشد الأعلى تحديدًا، ممّا يعني أنّ هُناك مساحة للمُناورة يتم خِلالها رصد رُدود الأفعال.
الثّانية: تقول بأنّ جناح الصّقور المُحافظ الذي يتزعّمه المُرشد الأعلى بات يتّجه نحو المُواجهة والصّدام مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، بعد تَصاعُد أعمال الاغتِيال، والهجَمات الإسرائيليّة على القوّات الإيرانيّة وحُلفائها في سورية والعِراق، ويرى هذا الجناح، أنّ عدم الرّد، وسياسة التحلّي بضبط النّفس انعكَسا بشكلٍ سلبيٍّ على إيران وهيبتها، وشجّع على المزيد من الاغتِيالات المُهينة للعُلماء النّوويين في العُمق الإيراني ممّا أثار حالةً من الغضب في أوساط الرأي العام، وقدّم ذخيرةً للمُعارضة سواءً الداخليّة مِنها أو الخارجيّة.
إيران على بُعد خمسة أشهر تقريبًا من انتخاباتٍ برلمانيُة، وإذا استمرّت العُقوبات حتّى ذلك التّاريخ فإنّ أسهُم المُحافظين ومُرشّحيهم ستَهبِط إلى الحُدود الدّنيا، وبما يُرجّح فوز الصّقور مُجدَّدًا برئاسة الدّولة والحُكومة معًا، وبمُباركة المُرشد الأعلى الذي لم يَكُن مُرتاحًا للاتّفاق النووي والمُفاوضات بشأنه لعدم ثقته بأمريكا والغرب، وأكّد انسِحاب دونالد ترامب مِنه وجهة نظَرِه هذه.
إيران تلقّت ضربتين قويّتين جدًّا على يدِ “إسرائيل” في أقل من عامٍ من جرّاء اغتِيال أهم رَجُلين فيها بعد المرشد الأعلى، الأوّل هو اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، والثّاني فخري زادة العالم النّووي، رئيس قِطاع الأبحاث في الحرس الثوري أيضًا، وهي الآن تُواجه ضُغوطًا كبيرةً، سواءً من الرأي العام الإيراني، أو قِطاع عريض منه، أو من حُلفائها في الخارج، وفي محور المُقاومة تحديدًا، للإقدام على أعمالٍ انتقاميّة تردع دولة الاحتِلال الإسرائيلي، وتُعيد “الهيبة” لنِظام حُكم الثّورة الإيرانيّة.
أكثر ما يُقلِق أمريكا وحليفتها “إسرائيل” ليس البرنامج النووي فحسب، وإنّما الصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة أيضًا، والأخيرة لا تَقِل أهميّة، ومن غير المُستَبعد أن تكون المُفاوضات مع إدارة بايدن الديمقراطيّة سهلةً، ولن تتم العودة الأمريكيّة إلى الاتّفاق النووي إلا بعد الحُصول على تنازلاتٍ في مِلَفّ الصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة وتجاربها.
إيران تعيش مخاضًا داخليًّا ربّما تُغيّر نتائجه التي ستظهر في الأشهر القليلة القادمة سِياساتها الداخليّة والخارجيّة، ومن بينها الانتِقال من ضبط النّفس، وابتِلاع الصّدمات، إلى تبنّي سِياسَة ردع إيجابيّة فاعلة، خاصّةً أنّ عمليّات “استِئساد” الصّغار أو “البرغش” عليها يتعاظم بشَكلٍ مُتسارع بسبب هذه السّياسات مثلما قال لنا مصدر موثوق ومُقرّب من محور المُقاومة.
الانتقام والثّأر لاغتِيال سليماني وفخري زادة قادِمٌ حتمًا حتّى لو وصلت رسائل من إدارة بايدن تُؤكّد على العودة للاتّفاق النووي، وإلا فإنّ مكانة إيران الإقليميّة ستهتز، وكذلك حال نِظامها.. واللُه أعلم.
“رأي اليوم”