شُكرًا لعمران خان الذي رفض ضُغوطًا للتّطبيع مع “إسرائيل”

من زامل السيّد عمران خان رئيس وزراء الباكستان أثناء دراسته في جامعة أكسفورد، والأنشطة السياسيّة التي كان يُمارسها في إطار اتّحاد الطلاب دعمًا للقضيّة الفِلسطينيّة في فترتيّ السّبعينات وحتى الثّمانينات من القرن الماضي، يستطيع أن يفهم صلابة موقفه الرّافض لضُغوطٍ من دولتين عربيّتين “يُعتَقد” أنّهما المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتحدة، للانخِراط في مسيرة التّطبيع الحاليّة التي يقودها الرئيس الأمريكي “المهزوم” دونالد ترامب وصِهره جاريد كوشنر.
الرئيس خان كشف عن هذه الضّغوط في حديثٍ صحافيٍّ أمس الأوّل ورفض خِلاله ورغم مُحاولات محاوره الشّرسة، أن يُسمّي هاتين الدّولتين لأنّه يُركّز في الوقتِ الرّاهن على الأزَمة الاقتصاديّة الحادّة التي تعيشها بلاده نتيجةً لعُقوباتٍ أمريكيّةٍ تجسّدت في إيقاف مُساعدات ماليّة سنويّة تتجاوز المِلياريّ دولار تحت ذريعة عدم مُكافحة “الإرهاب” في أفغانستان بشَكلٍ كافٍ.
باكستان الدولة الإسلاميّة الوحيدة التي تملك قنابل نوويّة “هندسها” العالم العبقري عبد القدير خان، تَرفُض إقامة أيّ نوع من العلاقات الدبلوماسيّة مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي، وعارضت بـ”ذكاءٍ” الاحتِلال الأمريكي لأفغانستان عندما دعمت مُخابراتها العسكريّة حركة “طالبان” وتحالفت مع إيران والصين، ألدّ أعداء الإدارة الأمريكيّة، وشكّلت تحالفًا قويًّا مع الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان.
السيّد خان كرّر في المُقابلة الصحافيّة نفسها أنّ حُكومته لن تَعتَرِف بدولة الاحتِلال الإسرائيلي إلا بعد التوصّل إلى تسويةٍ للقضيّة الفِلسطينيّة يقبل بها الشّعب الفِلسطيني، وأشار إلى أنّه يسير على هُدى وإرث مُعلّمه وقُدوته، الرّاحل محمد علي جناح، مُؤسّس باكستان الذي رفض ضُغوطًا أمريكيّةً وبريطانيّةً مُبكّرةً للاعتِراف بدولة “إسرائيل” واعتبر هذا الاعتِراف خطًّا أحمر.
التّقارب السعودي الهندي الأخير، سياسيًّا واقتصاديًّا على أرضيّة أزمة كشمير، وهو التّقارب الذي تزامن مع تقارب هندي إسرائيلي في ظِل حُكومة ناريندرا مودي، الهندوسي القومي المُتطرّف، انعكس فُتورًا على العُلاقات السعوديّة الباكستانيّة في الفترةِ الأخيرة، وتَقارُبًا بين السيّد خان والخصمين اللّدودين للمملكة العربيّة السعوديّة، أيّ تركيا وإيران.
عمران خان كان الضّلع الرّابع في تحالفِ مُؤتمر كوالالمبور الإسلامي الذي أراد إقامة قيادة إسلاميّة بديلة ومُنظّمة تعاون إسلاميّة مُوازية لتِلك الموجودة في المملكة العربيّة السعوديّة، لكنّ تهديدات بطَردِ أكثر من مِليونيّ باكستاني يعملون في السعوديّة ودول الخليج مَرفوقةً بالإيفاء بوعودٍ سابقةٍ بمُساعداتٍ ماليّةٍ على شكلِ استثمارات تَصِل إلى 20 مِليار دولار مُوزّعةً على عدّة سنوات، دفعته إلى عدم المُشاركة في هذه القمّة في اللّحظة الأخيرة.
الأزَمة الاقتصاديّة الخانقة التي تعيشها الباكستان حاليًّا، دفعت بالسيّد خان إلى البَدء بنفسه باتّخاذ إجراءات تقشّفِيّة حادّة، أبرزها إنهاء خدمات حواليّ 500 خادم وخادمة يعملون في قصر رئيس الوزراء، والاكتِفاء بسيّارةٍ واحدةٍ، والاستِغناء عن الطّائرة الرئاسيّة والعيش في بيتٍ مُتواضعٍ.
لا يسَعنا في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” إلا أن نقول شُكرًا للرئيس عمران خان لصُموده، ومُقاومته لكُل الضّغوط من أجل السّقوط في مِصيَدة التّطبيع مع دولة الاحتِلال رُغم ظُروف بلاده الاقتصاديّة الصّعبة، وأن نقول شُكرًا أيضًا للشّعب الباكستاني الذي وقف دائمًا في خندق القضايا العربيّة العادلة، وكان من أكثر الشّعوب مُقاطعةً للبضائع الفرنسيّة انتِصارًا للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وصوّت برلمانه بالإجماع على عدم المُشاركة في حرب اليمن قبل خمس سنوات.
ما يُؤلِمنا أن تتحوّل دول تنتمي إلى الأمّة العربيّة والعقيدة الإسلاميّة، إلى “سِمسارٍ” للتّطبيع مع دولة عُنصريّة تحتل المُقدّسات العربيّة والإسلاميّة والمسيحيّة، وترتكب مجازر بصفةٍ يوميّةٍ ضدّ الشّعب العربي الفِلسطيني المُسلم الأعزَل.. إنّه الزّمن العربيّ الرّديء.
“رأي اليوم”