أزمة التيار السلفي

يواجه التيار الديني السلفي الأزمة الأكبر في تاريخه على الإطلاق، بسبب التحولات التي شهدتها وتشهدها السعودية حالياً، وهي الدولة التي قدمت الدعم والرعاية لهذا التيار طوال العقود الماضية، بعد أن كان قد حقق انتشاراً واسعاً خلال عقد التسعينيات بشكل خاص، بفضل الأموال التي تم ضخها في أيدي مشايخ السلفية ومكنتهم من تأليف وطباعة وتوزيع الكتب مجاناً، والتفرغ للأعمال الدعوية.
ومن المعروف أنَّ «التيار السلفي» بشكله الحالي بدأ أواخر القرن الثامن عشر، مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد التي تحالفت مع السلطة لتأسيس الدولة السعودية، وحصلت على الدعم السياسي والمالي اللازم للانتشار، وشهدت عدة منعطفات تاريخية، من بينها طفرة النفط، التي أدت الى تدفق مالي ضخم في أيدي مشايخ هذا التيار الديني، وصولاً إلى ظهور «السلفية الجامية» التي تقوم على أساس فكرة «طاعة ولي الأمر» بشكل مطلق.
خلال العقود الماضية استثمر العديد من الأنظمة العربية في «السلفية» ورأت في هذا التيار بديلاً للإسلام السياسي، الذي يطالب بالمشاركة والإصلاح والديمقراطية، ويدعو لتعزيز الحريات العامة، بل إنَّ بعض تيارات الإسلام السياسي ذهبت الى أبعد من ذلك برفض تقسيمات سايكس بيكو، والدعوة الى اعتبار أن «هذه أمة واحدة» ويجب العمل على إقامة دولة واحدة، تجمع العرب والمسلمين، كما هو الحال بالنسبة لحزب التحرير، الذي يرى أن خلاص الأمة في إقامة دولة الخلافة، التي تزيل الحدود وترفع القيود عن الناس. وجد بعض الأنظمة العربية في «السلفية الوهابية» و»الجامية» قوة يمكن بها مناهضة التيارات الأخرى، فأتاحت لهم منابر المساجد أيام الجمعة، وفتحت الحدود أمام الكتب والكتيبات والمنشورات، التي كانت تُطبع بالملايين وتُوزع بكل اللغات، وهي كُتب تتركز إما على علم الكلام مثل القضايا العقائدية الجدلية، التي لا يمكن حسمها وإن طال الحديثُ فيها لمئات السنين، أو عن قضايا فقهية متناهية الصغر مثل: تحريك الأصبع في الصلاة، حكم إسبال الثياب، حكم الأغاني والموسيقى، حُكم الشطرنج والشدة، عذاب القبر، الأعور الدجال، الخ.
«التيار السلفي» الذي رفع شعار الابتعاد عن السياسة ووجوب طاعة ولي الأمر (أي الحاكم) أياً كان، تم استخدامه خلال العقود والسنوات الماضية في السياسة، وتم توظيفه بأبشع شكل، ابتداء من تخصيص المنابر لدعاته في بعض الدول، لإشغال عامة الناس بقضايا عذاب القبر والأعور الدجال، وكيفية تحريك الأصبع في الصلاة، وصولاً الى استخدامهم في مصر خلال الفترة من 2011 إلى 2013 لإفساد الثورة وإسقاط حكم الإخوان المسلمين، ومن ثم اختفوا تماماً عندما انتهت المهمة، حالهم في ذلك حال حركة «تمرد» التي أصبحت اليوم أثراً بعد عين! هذا التيار السلفي، الذي أغرق العالم العربي خلال عقد التسعينيات بكتبه وأشرطة الكاسيت التي يوزعها، وحقق انتشاراً واسعاً، بات اليوم يواجه الأزمة الأكبر والأعمق، منذ أكثر من مئتي عام، وأصبح مرشحاً للتبخر والانتهاء والذوبان، لسببين رئيسيين:
الأول: أن السعودية رفعت الدعم والغطاء عن هذا التيار بشكل واضح منذ نحو سبع سنوات، وأوقفت تمويل حملاته الدعوية لسببين، الأول أنه مصدر لأغلب الأدبيات والنصوص التي تستند إليها المنظمات الارهابية المتطرفة، وبالتالي فقد رأت أن تجفيف المنابع الفكرية لهذه المنظمات، يوجب التقليل من نشر الفكر السلفي وأدبياته، لأنه يقوم على فكرة عدم قبول الآخر والحُكم بتكفيره. السبب الثاني لوقف الدعم عن ثورات الربيع العربي، التي كانت حاضنة للتيار الإسلامي على اختلاف توجهاته، ومواجهة هذا الربيع يستدعي بالضرورة رفع الدعم عن كافة التيارات الإسلامية.
أما السبب الثاني للأزمة، التي يواجهها التيار السلفي وتهدد وجوده بشكل كامل، فمردها، أن العديد من رموزه انكشفت تناقضاتهم بصورة لم يسبق لها مثيل، وأصبحوا محل تشكيك وانتقاد من قبل عوام الناس، ومثال ذلك خطيب المسجد الحرام الشيخ عبد الرحمن السديس، الذي استخدم المنبر لتسويق التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي، خلافاً لعقيدة المسلمين التي كان المنبر نفسه يروج لها قبل سنوات قليلة. كما برز هذا التناقض في الفتوى التي صدرت مؤخراً عن «هيئة كبار العلماء» في السعودية، وهي أعلى مرجعية سلفية على الاطلاق، التي تصف جماعة الاخوان المسلمين بأنها «فئة ضالة» بينما صمتت الهيئة ذاتها عن موجة التطبيع الخليجي مع الاحتلال الإسرائيلي.
والحديث يطول في تفاصيل أزمة التيار السلفي في العالم العربي، وما يمكن أن يؤول إليه هذا التيار، خلاصة القول، إن هذا التيار نشأ لأسباب سياسية، وفي ظرف سياسي معين، أواخر القرن الثامن عشر، ثم تجدد بظهور «الجامية» مطلع التسعينيات لتبرير وتسويق الاستعانة بالولايات المتحدة ضد العراق، ثم تم استخدامه في مناسبات سياسية عديدة، وحالياً انقضت الحاجة له، فدخل في هذه الأزمة التي تُنبئ بتبخره وذوبانه وانتهائه.
 
عن القدس العربي ..