ماذا يجري في السعوديّة؟..

تطوّران على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة فرَضا نفسيهما على المشهد الرسمي السعودي وقد تكون لهُما تداعيات كبيرة على القِيادة ومنظومة الحُكم في البِلاد في الأسابيع والأشهُر القليلةِ القادمة:
الأوّل: الانفجار الذي وقع في مقبرة لغير المُسلمين في مدينة جدّة غرب البِلاد من جرّاء عبوةٍ ناسفةٍ، وأدّى إلى إصابة أربعة أشخاص قالت وكالة “رويترز” العالميّة إنّ أحداهما دبلوماسي يوناني، والثّاني رجل أمن سعودي، وكان لافتًا أن هذا التّفجير استهدف حفلًا نظّمته السّفارة الفرنسيّة بمُناسبة ذكرى انتِهاء الحرب العالميّة الأولى.
الثّاني: إدلاء الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز، سفير المملكة في لندن، بحديثٍ “مُهم” لصحيفة “الغارديان” البريطانيّة، قال فيه إنّ حُكومة بلاده تدرس العَفو عن النّاشطات السعوديّات السّجينات مُنذ عام 2018، وأبرزهنّ السيّدة لجين الهذلول، قبل استِضافتها لقمّة العشرين التي ستُعقد يوميّ 21 و22 من الشّهر الحالي، للبَحث في أهميّة الحِفاظ على سُمعة البِلاد وتقدير الضّرر نتيجةَ الاستِمرار في احتِجازهنّ.
إذا بدأنا بالتطوّر الأوّل، والأحدث، فإنّه سيُثير قلق الحُكومة لأنّه الأوّل من نوعه مُنذ سنوات، ويَعكِس حُدوث اختراق، أو عدم كفاءة القوّات الأمنيّة، خاصّةً أنّ مِثل هذا الحفل الذي حضره مُمثّلون عن السّلك الدّبلوماسي يُفترض اتّخاذ السّلطات الأمنيّة إجراءات احتياطيّة طارئة ومُحكمة لحِمايته، الأمر الآخَر أنّ هذا التّفجير الذي دفع بعض السّفارات الأجنبيّة إلى إصدار تعليمات لرعاياها بتوخّي الحذر الشّديد تَحسُّبًا لهجماتٍ قادمةٍ، ربّما يُوحي بوجود خلايا مُتطرّفة لجماعات إرهابيّة “وهّابيّة” التّصنيف مِثل “القاعدة” أو “الدولة الإسلاميّة” جرى تنشيطها مُؤخّرًا، أو أنّ هُناك خلايا إرهابيّة جديدة تنتمي لجماعات إسلاميّة مُتطرّفة جرى تكوينها لمُعارضة السّياسات الانفتاحيّة الجديدة المُبالغ فيها من قِبَل الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد، والحاكم الفِعلي للمملكة، واستِهداف سفارة فرنسا بعد تطاول رئيسها إيمانويل ماكرون على الإسلام، ودعمه لنشر رُسومات مُتحرّكة تنتهك كرامة الرّسول محمد “صلى الله عليه وسلم”، تحت عُنوان “حُريّة التّعبير”.
أمّا إذا انتقلنا إلى التطوّر الثّاني، أيّ تصريحات السفير الأمير خالد بن بندر بشأن دراسة الإفراج عن النّاشطات السعوديّات المُعتقلات، فإنّها تعكس اعترافًا فريدًا من نوعه، من السّلطة الحاكمة، بأنّ سُمعة بلادهم ومكانتها اهتزّت عالميًّا بسبب أُمورٍ كثيرةٍ أبرزها انتِهاكات حُقوق الإنسان، خاصّةً أنّ العديد من الدّول قرّرت إلغاء مُشاركتها، أو تخفيض مُستوى هذه المُشاركة، في قمّة العشرين بعد عشرة أيّام في الرياض احتِجاجًا على هذه الانتِهاكات.
وما يزيد من قلَق المملكة وقِيادتها بسبب هذه المسألة، سُقوط الرئيس دونالد ترامب وفوز خصمه الديمقراطي جو بايدن في الانتِخابات الأخيرة، فبايدن تعهّد بإعادة تقييم العُلاقات مع السعوديّة على خلفيّة مسألة انتهاكات حُقوق الإنسان وانتقد ما وصفه “شيك على بياض” من قبل سلفه ترامب فيما يتعلّق بحِماية القِيادة الحاكمة في السعوديّة وسِياساتها، والأمير بن سلمان تحديدًا، وتَوعّد بمُواصلة السّعي لتحقيق العدالة في قضيّة اغتيال الصّحافي السعودي جمال الخاشقجي بطريقةٍ بشعةٍ في قنصليّة بلاده في إسطنبول، واعتِراف القِيادة السعوديّة رسميًّا بالوقوف خلف عمليّة الاغتِيال هذه.
ولعلّ أكثر ما يُقلق السلطات السعوديّة هو عودة الرئيس الأمريكي الجديد للاتّفاق النووي مع إيران، ورفع العُقوبات الاقتصاديّة عنها بالتّالي، وتمكينها من بيع نِفطها، والإفراج عن أموالها المُجمّدة، الأمر الذي يعني تعزيز الوضع المالي للأذرع العسكريّة الحليفة لها، مِثل “حزب الله” في لبنان، وحركة “أنصار الله”  الحوثيّة في اليمن، وفصائل الحشد الشّعبي في العِراق.
ربّما يُجادل البعض في القول إنّ السعوديّة دولة إقليميّة مُهمّة لا تستطيع إدارة بايدن القادمة تجاهلها، وأنّ إدارة الرئيس أوباما ورُغم خِلافها مع السعوديّة وقّعت 42 صفقة سلاح بقيمة 115 مليار دولار مع المملكة، وهذا صحيح، ولكنّ الأصح أيضًا، أنّ أمريكا لم تَعُد تعتمد على النّفط السعودي بعد أن حقّقت الاكتِفاء الذّاتي بالطّاقة، وأصبحت مُصَدِّرةً للنّفط الصّخري، مُضافًا إلى ذلك أنّ عوائد السعوديّة من النّفط انخفضت إلى النّصف وربّما أكثر، والعجز المالي الذي تعيشه مُوازنتها حاليًّا ويزيد عن مِئة مِليار دولار هذا العام دفعها إلى الاقتِراض من الأسواق الماليّة المحليّة والعالميّة، وجاء انتِشار فيروس الكورونا ليُضاعِف الخسائر في هذا المِضمار.
لا نعتقد أنّ تصريحات السفير الأمير السعودي خالد بن بندر جاءت عشوائيّةً، وإنّما حقيقيّةً مدروسةً بعنايةٍ ومُوحى بها، وتُمَهِّد للتّراجع عن سجن النّاشطات المُعتقلات، والإفراج عنهنّ في الأيّام القليلة المُقبلة، لتجنّب الانتِقادات العالميّة من قِبَل مُنظّمات حُقوق الإنسان، وإنقاذ قمّة العشرين التي تُعَوّل عليها السّلطات السعوديّة كثيرًا لإنقاذ سُمعتها وهيبتها على الصّعيدَين الإقليمي والدولي، وهذه التّصريحات حتّى لو تمّ نفيها لاحقًا بضُغوطٍ عُليا على السّفير، فإنّها صحيحة لأنّ صحيفة الغارديان التي نشرتها على درجةٍ عاليةٍ من المهنيّة والدقّة.
الإفراج لو تم سيكون خطوة جيّدة، يَعكِس مُراجعات سياسيّة داخليّة وخارجيّة مُهمّة، ولكنّ تأثيرها يظَل محدودًا إن لم تَكُن في إطار مُراجعاتٍ سياسيّةٍ شاملةٍ وجذريّة.. واللُه أعلم.
 
عن راي اليوم ..