بلاطجة في حضرموت (2)

في الأسبوع قبل الماضي تناولت قضية السطو على مجموعة من الفلل في ربوة المهندسين خاصة ببعض المغتربين لم يكملوا تشطيبها منذ ثلاثة عقود تقريباً لأسبابٍ مختلفةٍ، وقُلت في بداية المقال انني لم أتفاجأ بمثل هكذا عمل يُصنف ضمن أعمال البلطجة والسرقة والنهب وغيرها من المفردات والمترادفات، لأنه من الطبيعي جداً أن يحدث في أي مجتمع وفي أي بلد ضاعت فيه الدولة وهيبتها وقوانينها وتلاشت القيم والوازع والضمير لدى الأفراد،
 
وقد يقول قائل إن هذا الأمر من الغرابة بمكان أن يحدث في مجتمع ذاع صيت أفراده في الآفاق وعرفهم الكثير بحسن الخلق والأمانة، وأقول لمن يقول هذا نعم ولكنها (تلك أمة قد خلت)، وإذا أردنا الحديث في هذا الصدد يحتاج لنا مؤلفات كثيرة، لكن ممكن نتناول بعض ما حدث ومتعلقاً بهذا الجانب الذي عنونّا به موضوعنا للمرة الثانية ولعلنا نشير الى بعض الوقائع والأحداث التي أوصلت بعض أفراد المجتمع للوقوع في المحظور،
 
فلو نظرنا لحضرموت في زمن الدولة وابتداءً من زمن السلطنة القعيطية كان هناك قانون او شبه قانون يحدد أراضي الدولة وفي الوقت نفسه لم تكن هناك حركة عمرانية او صناعية وإن وجدت فهي محدودة فلا تجعل الناس تتسابق على شراء الأراضي ناهيك على الاستيلاء عليها وحتى من اغترب منهم لم يكن يحمل هذا الحس الا فيما ندر، ثم جاءت حكومة الحزب الاشتراكي اليمني وبقانون التأميم والذي ألغى الملكية الفردية وحاربها فقتل الطموح عند الناس وحب التملّك ورسّخ القناعة بالصميل على الرغم أن كثيرا من المغتربين عاشوا طفرة الأراضي في مهاجرهم ابتداء من منتصف سبعينيات القرن الماضي،
 
ثم جاءت دولة الوحدة عام 1990م وجاء معها الانفتاح وشهدت البلاد حركة في مجال التخطيط العمراني وتوزيع المخططات على قطاع واسع من موظفي الدولة المدنيين والعسكريين وعلى أعداد أخرى من المواطنين ممن لهم حظوة او قرابة بهذا المسؤول او ذاك، وجاء المغتربون وخاصة بعد ازمة الخليج وبدأت حركة البيع والشراء في الأراضي المصروفة وبدأت حركة العمران المهولة مع توفر المقاولين ذوي الخبرة الذين عادوا من الاغتراب ضمن مليون مغترب تقريباً واستوعبت حضرموت ربما ربع مليون منهم على أقل تقدير مما سهل حركة البناء في وقت قصير، وكثرت مكاتب الخدمات العقارية وأصبح حديث الناس في الداخل والخارج في مجالسهم وسمرهم وربما حتى في منامهم فلان اشترى أرضية بمبلغ كذا وباعها بأضعاف المبلغ والمغترب الفلاني جاء واشترى عشرات الأراضي في المخطط هذا أو ذاك وأطلق على الشارع الرئيسي في منطقة (بويش) (أحد أحياء مدينة المكلا) شارع الملايين إشارة الى أسعار القطع فيه التي وصلت الى الملايين في ذلك الوقت، ومن هنا بدأ الهلع والطمع والجشع في بعض النفوس الغير سوية، وأنزلت وزارة الإسكان مخططات جديدة على طول الطريق الرئيسي يمنة ويسرة بين المدن وتم الصرف وفق الاطماع البرجوازية وليس وفق احتياجات البروليتاريا الكادحة والعمال والفلاحين التي طارت مع البروستريكا القورباتشوفية وحظي أبناء القادة والمقربين بمخططات بكاملها، وفي هذا الجانب تحضرني نكتة طريفة للشهير سالمين حسين الحضرمي (قيل له لماذا لم تطلب قطعة أرض فقال لا اريد الآن قيل له لماذا قال سأقدم في الأخير لعلّ نصيبي يكون في عمان).
 
وأصدر المُميز صالح عباد الخولاني محافظ حضرموت حينها قرارات ساهمت في حلّ المساكن التي اممت وأخذت من ملاكها واعطيت لآخرين فصرف لكل شخص قطعتي ارض ليسلم المنزل لصاحبه بعد فترة زمنية يتفق فيها مع المالك ويبيع احدى القطع ويستفيد من قيمتها في بناء القطعة الثانية كمنزل يأويه واسرته وهذا الأمر ساهم هو الآخر في زيادة حركة العمران وحركة البيع وساهم أيضاً في ظهور حالات من البلطجة التي ارتفعت وتيرتها في الفترات اللاحقة وسنخصص لها المقال القادم ان شاء الله تعالى.