كيف يُعيد التّاريخ نفسه في كارثة مرفأ بيروت؟

جاء قرار المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي صدر اليوم “تاريخيًّا” ليس لأنّه جنّب البِلاد مشروع فتنة طائفيّة وسياسيّة، وإنّما أيضًا لأنّه برّأ كُل من سورية و”حزب الله” من أيّ تورّط في هذه الجريمة، لكنّ السّؤال الذي يطرح نفسه بقوّةٍ هو تجاهل الحُكم الفترة الأولى التي حفلت بالكثير من التّضليل والخِداع والتّعاطي مع الجهتين (سورية وحزب الله) وعناصر مُخابراتهما على أنّهم المُنفّذون الفِعليّون لهذه الجريمة فأين شُهود الزّور وشهاداتهم من أمثال زهير الصديق وحسام حسام، بل أين الفِلسطيني “أبو عدس” ومن كان خلف الفيديو الذي أعلن فيه المسؤوليّة عن هذا الاغتيال؟ ولماذا جرى اعتِماد رواياتهم المُفبركة كحقائقٍ دامغة؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها لا بُدّ من التوقّف عند المُلخّص الذي قرأه القاضي ديفيد ري، وقال فيه “إنّ سورية وحزب الله ربّما كانت لهما مصلحة خاصّة، للقضاء على السيّد الحريري وحُلفائه السّياسيين لكن ليس هُناك أيّ دليل على أنّ قيادة حزب الله، أو السّلطات السوريّة، يَثبُت أنّه كان لهما دور في عملية الاغتِيال التي راح ضحيّتها 21 قتيلاً، إلى جانب الحريري، وأكثر من 221 مُصابًا، وبرّأ القاضي ثلاثة مُتّهين، وثبّت التّهمة على سليم عياش الذي وضع القُنبلة.
***
مُنذ اليوم الأوّل لعمليّة الاغتيال هذه كانت هُناك مُحاولة من قبل القاضي “المُزوّر” ديكليف ميليس وزملائه لشيطنة سورية وحزب الله، لإبعاد التّهمة عن الجهة الحقيقيّة أيّ إسرائيل، وإلصاقها بحزب الله وسورية، وأربع ضبّاط من المُخابرات السوريّة على وجه التّحديد.
يروي القائد الفِلسطيني أحمد جبريل (شفاه الله حيث يرقد في منزله وفي حالةٍ سيّئةٍ جدًّا) في مُذكّراته التي سجّلها الزميل كمال خلف، أنّ كولن بأول وزير الخارجيّة السّابق طلب أثناء زيارته لسورية عام 2003 من السّلطات السوريّة أمرين: الأوّل سحب جميع قوّاتها من لبنان، والثّاني إبعاد المنظّمات الفِلسطينيّة من سورية فورًا، وفعلاً عقد السيّد عبد الحليم خدام الذي كان نائبًا للرئيس اجتماعًا طارئًا لهذه الفصائل، وطلب من قادتها إغلاق جميع مكاتبها ومُغادرة سورية، ويُواصل السيد جبريل روايته بقوله ذهبت للقاء الرئيس بشار الأسد بمعيّة السيّد فاروق الشرع وزير الخارجيّة في حينها، وذكرت له ما قاله السيّد خدام، فأكّد الرئيس أنّه رفض طلب بأول كُلِّيًّا وطلَب نِسيان هذا الأمر.
ما كشفه الرّاحل خدام، تبريرًا لقرار الإغلاق، أنّه إذا لم يتم التّجاوب مع طلب بأول فإنّ سورية ستدفع ثمنًا باهظًا في لبنان، وتبيّن أن هذا الثّمن الذي تحقّق بعد ما يقرب من العامين لاحقًا هو إخراج القوّات السوريّة من لبنان، ولا يُمكن تحقيق ها الهدف إلا بعمليّةٍ كُبرى مِثل اغتيال الرئيس الحريري.
القِيادة السوريّة كانت تعلم أنّهم يُريدون إخراج قوّاتهم من لبنان، ويسعون لتهيئة الأسباب اللّازمة، وليس هُناك أكثر فاعليّةً من اغتيال الرئيس الحريري، ولهذا بادرت بالانحِناء أمام العاصفة، والمُبادرة بسحب القوّات السوريّة فورًا، وكان قرارها مُصيبًا وحكيمًا في حينها.
التقيت الرئيس الشهيد رفيق الحريري أكثر من أربع مرّات، آخرها في منزله في باريس قبل اغتياله ببضعة أشهر، وفي حُضور السيّد نهاد المشنوق، وفي المرّات الأربع أكّد لي أنّ عُلاقته بحزب الله علاقة تحالفيّة استراتيجيّة، وأكّد لي هذه الحقيقة أيضًا المرحوم الزميل مصطفى ناصر أثناء لقائي به في لندن بعد جريمة الاغتيال، والزميل ناصر كان الوسيط الموثوق بين الرئيس الحريري والسيّد حسن نصر الله.
بحثنا في مُعظم ما ورد على لسان قُضاة المحكمة في مُؤتمرهم الصّحافي عن أيّ إشارة للجهات التي حرّفت مسار التّحقيق وأسباب تجاهلها، ومصير شُهود الزّور ومن يقف خلف رواياتهم المُضلّلة، ولكنّنا لم نَجِد أيّ أثرٍ، ويجب على الجِهات المعنيّة عدم ترك هذا المِلف، ومُطالبة المحكمة وقُضاتها بالكشف عن كُلّ التّفاصيل.
نُريد أن نعرف وملايين اللّبنانيين والعرب الجِهات التي جنّدت ولقّنت زهير الصديق، وحسام حسام، وأبو عدس، وهيّأت لهم الظّهور بكثافةٍ على شاشات التّلفزة لبثّ أكاذيبهم، واعتمدت شهاداتهم “المُفبركة” كحقائقٍ دامغة أدّت إلى اعتقال أبرياء خلف القُضبان لأربعِ سنواتٍ على رأسهم اللواء جميل السيّد.
***
خِتامًا نقول إنّ نتائج تحقيقات وأحكام هذه المحكمة الدوليّة، وعمليّات التّضليل التي سادت بعض فُصولها، تجعلنا نتوقّف طويلاً أمام مجزرة مرفأ بيروت، ونُعيد التّأكيد مُجدَّدًا على ضرورة عدم استِبعاد عامل التّخريب الخارجيّ، والدّور الإسرائيليّ في هذا الصّدد، والاتّهامات التي وجّهت إلى “حزب الله” في السّاعات الأولى، وقبل أن تظهر الحقائق الأوّليّة، ناهِيك عن التّحقيقات، ومِن الجِهات نفسها التي اتّهمته بالوقوق خلف اغتِيال الحريري.
رحم الله الشّهيد رفيق الحريري، الذي كان يقود سيّارته بنفسه لحظة اغتياله مُطمَئِنًّا على أمنه وسلامته، وكنّا وما زلنا نُحمّل إسرائيل وعُملاءها والطّابور الخامس في لبنان الذي يتجنّد لخدمة مُؤامراتها، مسؤوليّة هذه الجريمة، بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مُباشرة، وستَظهر الحقائق جليّةً في المُستقبل القريب بإذن الله.. والأيّام بيننا.
 
عن راي اليوم..